محمد جمال الدين القاسمي
230
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وبما ذكر يعلم أن لفظ الآية يتناول كل ما يصدق عليه مسمى الإيمان . مع وجود مسمى الشرك فأهل الشرك الأكبر ما يؤمن أكثرهم بأن اللّه هو الخالق إلا وهو مشرك به ، بما يتخذه من الشفعاء ، وما يعبده من الأصنام . وكذا أهل الشرك الأصغر من المسلمين ، كالرياء مثلا ، ما يؤمن أحدهم باللّه إلا وهو مشرك به ، بذلك الشرك الخفيّ . وعلى هذا ، فالشرك يجامع الإيمان ، فإن الموصوف بهما مما تقدم ، مؤمن فيما آمن به ، ومشرك فيما أشرك به والتسمية في الشريعة للّه عزّ وجلّ ولرسوله ، فلهما أن يوقعا أي اسم شاءا على أي مسمى شاءا . فكما أن الإيمان في اللغة التصديق ، ثم أوقعه اللّه عزّ وجلّ في الشريعة على جميع الطاعات ، واجتناب المعاصي ، إذا قصد بكل ذلك ، من عمل أو ترك ، وجه اللّه تعالى كذلك الشرك نقل عن شرك شيء مع آخر مطلقا ، إلى الشرك في عبادته تعالى ، وفي خصائص ربوبيته . قال ابن القيم : حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق ، والتشبه للمخلوق به ، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية ؛ فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وذلك يوجب تعليق الدعاء ، والخوف والرجاء ، والتوكل به وحده . فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق ، وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فضلا عن غيره ، مشبها بمن له الأمر كله ، جل وعلا . فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات ، بالقادر الغنيّ بالذات . ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه . وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده ، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل ، مع غاية الحب ، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة ، أن يكون له وحده . ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره . فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير ، بمن لا شبيه له ، ولا ندّ له ، وذلك أقبح التشبيه وأبطله ، ولشدة قبحه ، وتضمنه غاية الظلم ، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره . مع أنه كتب على نفسه الرحمة ، ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين ، لا قوام لها بدونهما : غاية الحب ، مع غاية الذل . هذا تمام العبودية . وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين . فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير اللّه ، فقد بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين . فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير اللّه ، فقد شبهه به في خالص حقه ، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع ، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل . ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم ، وأفسدتها عليهم ، ومضى على الفطرة من سبقت له من اللّه